السبت، 9 مارس 2019

بيل غيتس يستثمرُ في بحثٍ حَول نظامٍ غذائيٍّ قَد يُصلح ميكروبات أمعائنَا وبالتَّالي سِمنَتنَا.


يعترفُ بيل غيتس بكُلِّ صراحةٍ: بأنَّه لطالمَا كانَ غريبَ الأطوار. كما قال: إنّ هذا ما دفعه في الأساس كأحد مؤسسي (مايكروسوفت) إلى مجال الحواسيب.
ولكن هذه الأيام، لعلّ غرابة بيل غيتس أجلى ما تتبدَّى عند الحديث عن إعجابه بالأمعاء البشريَّة.
في تشرين الثاني، صعدَ بيل غيتس إلى المنصَّة في حدثٍ أُقيم في (بكين) حاملًا معه جرةً تحوي بُرازًا، فقط ليبيّن بأنّه يُمكن أنْ تحتوي على تريليونات الجزيئات الفيروسيَّة والبكتيريا وبيوض الطفيليَّات.
يتجاوز اهتمام بيل غيتس بعمليَّةِ الهضم الأنواع المقرفة والموهنة من البكتيريا التي توجد في أجسادنا. حيثُ قال المستثمر البليونير مؤخرًا: بأنَّه يعتقدُ أنَّه بإمكاننا تجديد الأعمال الداخليَّة التي تجري في أمعائنا من خلال زراعة المستعمرات الميكروبيَّة التي تعيش داخلنا.
“أحد الأمور التي لا يتوقع النّاسُ حدوث خرق علميّ فيها هو أمرٌ أنا متفائلٌ جدًّا بأنّنا سنحققُ فيه خرقًا علميًّا وهو فهم التغذية” قالَ غيتس خلال حديث جرى الأسبوع الماضي في 92nd Street Y, New York.
وهو يعتقد بأنَّ فهم مستعمرات ميكروبات أمعائنا هو الطريقةُ لتحقيق ذلك.

مجتمعٌ بكتيريٌّ متنوّعٌ وقويٌّ هو الأساسُ للنمو الصحّي.


التغذيّة الجيّدة هي مشكلةٌ مُتزايدة في كُل البلدان فقيرةً كانت أم غنيَّة.
بينما 22.5% من الأطفال حول العالم هم دون سن الخامسة، حوالي 150 مليون طفل، يعانون من نوعٍ من القزامة بمعنى أنَّهم لا ينمون بشكلٍ صحيٍّ؛ بسبب سوء التغذية والعدوى، هنالك 5.6% أخرى، أو حوالي الـ 38 مليون طفل، يعانون من السمنة.
أحدُ الأسباب التي تحول دون نمو الأطفال بشكلٍ سليمٍ هو أنَّ مستعمراتهم الميكروبيّة ليست قويّة كفاية. المستعمرة الميكروبيّة لشخص (Microbiome) هي المزيج المعقّد من البكتيريا، والفيروسات، والفطور التي تعيش داخل أمعائه والتي تمتلك معًا أكثر من 2 مليون جين- أكثر مما يحتوي الجينوم البشري من الجينات.
بدءًا من الولادة، عندما تتعرّض الأمعاءُ المعقّمة للرضيع لأول مرّة لميكروبات الأمّ، فإنّ 300 إلى 500 صنف بكتيريّ يبدأ باستعمار هذه البيئة.
عادةً، يُساعد حليبُ الأمِّ الغنيُّ بالمواد الغذائيّة على ذلك، وكما تُساعد كُل الأمورِ التي يقومُ الأطفالُ الرُّضَّع بوضعها بأفواههم.
ولكن إن لم تتطوّر هذه المنظومة الميكروبيّة لدى الرضيع بشكلٍ سويٍّ، فقد يكون لها عواقب جديَّة طويلة الأمد تمسُّ طريقتهم في معالجة الطعام، مما يقودُ إلى طيف من الاحتمالات يمتدُّ من النمو القزمي من جهةٍ، إلى البدانة من جهةٍ أُخرى.
بعدَ عامٍ تقريبًا، تستقرُّ المستعمراتُ الميكروبيَّةُ في جسمِ الرضيع، ممَّا يعني أنَّ الشهور الأولى مِن الحياة هي الوقتُ الجوهريُّ؛ لتشكيل منظومة ميكروبيَّة غنيَّة.

مُستعمرتنا الميكروبيَّة تُحدِّدُ كميَّة التغذيَّة التي نحصلُ عليها من الغذاء الذي نأكله.


في مدغشقر على سبيلِ المثال، هُنالك يُعاني نحو نصف الأولاد تحت سن الخامسة من القزامة والتي تتمثَّلُ بطولٍ قصير للطفل مقارنةً بعمره.
العديدُ من الأطفال هُناك لا يحصلون على كمٍّ كافٍ من المغذيَّات الأساسيَّة والتي هي مهمَّة للنمو الصحيّ مثل الحديد وفيتامين A والزنك واليود.
“لا ينمون جسديًّا” و”لا ينمون عقليًّا” بهذه الكلمات وصفهم بيل غيتس.
بشكلٍ مُشابه، وجدَ العلماءُ في بنغلادش أنَّ الأطفال الذين يعانون من سوء تغذيةٍ حاد يميلون لامتلاك مستعمرات بكتيريَّة أقلّ نضجًا من الأطفال الآخرين، ممَّا يقترح بأنَّ الأشهُرَ الأولى من الحياة جوهريَّةٌ في تحديد مقدار التغذيَّة التي سنحصل عليها خلال حياتنا.
ويقول غيتس: “حتَّى وإن كانوا يحصلون على كمٍّ كافٍ من الطعام، هنالك شيء التهابيٌّ في أمعائهم يمنعُ جسدهم من النمو بشكل سليم.”
هذا الأمر يترك أثرًا طويلَ الأمد على الاقتصاد. قدَّر البنك الدوليّ أنَّ مدغشقر تفوّت حوالي 720 مليون دولار أمريكي في الناتج المحلي الإجمالي (GDP) سنويًّا؛ بسبب نقص الفيتامينات والمعادن.
في نهاية الطيف الأخرى، البلدان الغنيَّة مثل ألمانيا، وأستراليا، والولايات المتحدة الأمريكية أيضًا يفوّتون مليارات الدولارات بسبب سوء التغذية.
دراسةٌ بحثت في تأثيرات البدانة في ثلاثة ولايات أمريكية – كاليفورنيا، كارولاينا الشمالية، وماساشوستس- قدَّرت بأنّ اقتصاد هذه الولايات خسر ما مجموعه 41 مليار دولار أمريكي سنويًّا على تكاليف غير مباشرة ناتجة عن البدانة مثل وقت المرض، الموت المبكّر، ودفعات التأمين.

علاجٌ لمستعمرات البكتيريا داخلنا قد يُساعدُ أمعاءَنا أن تُصبحَ أقوًى.


قال غيتس: بأنَّه يعتقدُ أنَّه في يومٍ من الأيام سنستخدم مساحيق، أو أطعمة مغذيَّة لميكروبات أمعائنا، وغيرها من وسائل العلاج المكروبي لحلِّ هذه المشكلات الغذائية من خلال تعويض النَّقص في أصناف البكتيريا في أمعائنا.
“نحنُ في الحقيقة نحاولُ التدخل في هذه العملية، لكي لا تشتكي أمعاءُ الأطفال، وبالتالي يكونون قادرين على النمو” قال غيتس.
مؤسسةُ بيل وميليندا غيتس تأملُ بأنَّ العلماء سيتمكنون قريبًا من ابتكار علاجٍ رخيص للمستعمرات الميكروبيّة يكون أعقد من النصائح البسيطة مثل تناول اللبن.
صرَّحت المؤسسةُ في آخر دعواتها لإقامة الأبحاث الخاصة بعلاج الأمعاء- بأنَّ العلاجات الجديدة المعزَّزة للبكتريا ستتضمّن “أعدادًا كبيرةً من السلالات البكتيرية المتعايشة صعبة الزراعة”.
الفرقُ البحثيّةُ التي ستتلقّى المرحلة الأولى من التمويل لهذه المشاريع ستحصل على 100,000 دولار أمريكي من مؤسسة غيتس. وإن نجحوا في ذلك، يمكن أن يحصل الباحثون على جولة ثانيةٍ من التمويل تصلُ إلى 1 مليون دولار أمريكي وذلك لتطويرعلاجاتهم الجديدة للأمعاء.
حتَّى اللحظة فإنَّ مؤسسةَ غيتس بالفعل قد استثمرت أموالها لإنتاج مسحوقٍ مغذٍّ للبكتيريا يُعطى للرضَّع ويسمى (Evivo). يُمزج المسحوق مع حليبِ الأمِّ لمُساعدة الأطفال على إصلاح وتطوير منظوماتهم البكتيريَّة.
هذا الدواء مُصمَّم لمُساعدة الأطفالِ الذينَ يُعانون من سوءِ التغذيَّة، وذلك لتعزيز استقلابهم، ومساعدتهم لتطوير جهاز مناعة أقوى.
التجاربُ الدوائيَّةُ لـ (Evivo) على الأطفالِ دون سن الـ 6 أشهر والذينَ يُعانون مِن سوءِ تغذيَّةٍ شديدٍ بدأت في بنغلادش العام الماضي.
مشروعٌ آخرٌ مُموَّلٌ من مؤسسة غيتس في كلية الطِّب في جامعةِ واشنطن- هو إطعام الأطفال الذينَ يُعانون مِن سوءِ التغذيَّةِ في بنغلادش “أغذية موجهة الجراثيم”.
في الحالة المُثلى، تأملُ مؤسسةُ غيتس بأنَّ هذه المواد سوف تتوفَّر يومًا ما حول العالم بأسعارٍ أقل من 0.1 دولار أمريكي في الجُرعة الواحدة.
يُمكن لهذا الأمر أن يخلقَ حلولًا طويلةَ الأمد للحمية الغذائيَّة، سواء في البلدان الفقيرة، حيثُ تعملُ مؤسسةُ غيتس، أو في البلدان الغنيَّة التي تُعاني من وباءِ السمنة.
تلعبُ بكتيريا الأمعاء دورًا أيضًا في البدانة؛ لأنَّها هي من تُرسلُ إشاراتٍ إلى الدماغ؛ لكي نشعر بالشبع.
“لماذا ليسَ من السَّهلِ لنا أن نمتلكَ مُقاربةً شموليةً تسمحُ لنا في التحكُّم بشهيتنا؟” يقول غيتس: “منظومة البكتريا في أمعائنا قد تكون الحل لذلك”.
خبراءُ التغذيَّة يدركون بشكلٍ متزايدٍ أنَّه لا وجود لقوانين سريعةٍ ومضمونةٍ تجري على الجميع في خصوص الحمية الغذائية، فلكُل شخصٍ جسمٌ مختلفٌ، ومنظومةٌ بكتيريَّةٌ مختلفةٌ.
“نحنُ نعلمُ أنَّه لا وجود لحمية غذائيَّة صالحةٍ للجميع، أو حتَّى للشخص ذاته على امتداد حياته”، كتبَ مجموعةٌ من الباحثين في مقال نُشِر في كانون الثاني في مجلة (the Lancet).
ولكنَّ غيتس مقتنعٌ بأنَّه لو تمكّنا مِن بقاء البكتيريا في أمعائنا سعيدةً، فهذه بدايةٌ جيدةٌ.
“لطالما كانت التغذية لُغزًا عظيمًا”
قال غيتس: “الكثيرُ من الخرافات، جرّب هذا، وجرّب ذاك، ولكن خلال هذا العقد أعتقد أنَّه بإمكاننا حل هذه المشكلة”.

هذا المقال نُشر أولًا في مجلة: (Business Insider)
ترجمة: Mhd Mustafa Albita
إشراف: يزن حمو.
تدقيق لغوي: سُمية محمد.
المصدر:https://www.sciencealert.com/bill-gates-says-feeding-our-gut-bacteria-right-could-help-the-world-s-waistlines

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ظاهرة ظل المطر

- ظاهرة ظل المطر، ما هي وكيف تحدث؟ ما هي ظاهرة ظل المطر؟ تُعرف ظاهرة ظل المطر "Rain Shadow" بأنها تحدث عند اعتراض الجبال للر...