
“لا شيء يحيرني مثل الزمان والمكان، ومع ذلك فإنّ أقل ما يزعجني هو الزمان والمكان، لأني لا أفكّر فيهما أبدًا”.المؤلف تشارلز لامب في القرن التاسع عشر
لم يتوقع “ستيفن هوكنج” Stephen Hawking نفسه أن يلاقي كتابه “الكون في قشرة جوز” The Universe in a nutshell كل النجاح الذي لاقاه بعد نشره في عام 2001، فقد ظل الكتاب لمدة اربعة أعوام متتالية على قائمة الأكثر مبيعًا على صفحات “صنداي تايمز”، وما أثار استغرابه أن ذلك الانتشار الكبير “لكتاب عن العلم ليس فيه ما يؤدي للاسترخاء“.
في كتابه السابقة “تاريخ موجز للزمن” A Brief history of time، رتّب هوكينج الموضوعات ترتيبًا متتاليًا بحيث اعتمد أغلب الفصول على الفصول التي تسبقها، في حين أن هذا الكتاب يمثله كشجرة، يمثل الفصل الأوّل والثاني جذعها، وباقي الفصول هي فروع الشجرة، وبالتالي يمكن للقاريء أن يقرأ في أحد الفروع دون أن يقرأ في الفروع الأخرى، بعكس الكتاب السابق الذي كان استيعاب الفصول فيه يعتمد على استيعاب الفصول السابقة.

غلاف النسخة العربية
الفصل الأوّل: وهو الجزء الأوّل من جذع الشجرة، يتحدث عن عماد القرن العشرين الفيزيائي، وهما نظريتا النسبية (بفرعيها: الخاصة والعامة)، والكوانتم، وبالتأكيد كان هناك حديث مستفيض حول ألبرت أينشتاين، ونشأته، وحالة المجتمع العلمي ونظرياته الفيزيائية في تلك الفترة، وهي فترة نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
في تلك الفترة كان هناك الأثير، وهو وسط افترضه العلماء في ذلك الوقت يملأ الفضاء وتسير فيه موجات الضوء وموجات الراديو، لكن التجارب أثبتت عدم وجود هذا الوسط المُتخيّل، وأكثرها دقة وشهرة هي تجربة مايكلسون ومورلي، ومن هنا بدأت النسبية الخاصة في الدخول لمعترك النظريات الفيزيائية. وتلتها بحوالي عشر سنوات نظرية النسبية العامة، والتي خرج من عباءتها مصطلحات غريبة مثل الثوب السوداء وانحناء الزمن وغيرها. ومن قبلها “الكوانتم” بكل أعاجيبها، والتي ظهرت أولى خطواتها على يد “ماكس بلانك” عام 1900.
ثم يأتي الفصل الثاني بالسؤال الصعب، “ما هو الزمن؟” هل هو تيار متدفق؟ هل هو مطلق كما قال نيوتن (أنّه مستقل عن أي شيء آخر)؟ أم هو نسبي كما تقول نظريتا النسبية الخاصة والعامّة (بأن الحركة والجاذبية يؤثران على تدفق الزمن)؟ وهل الزمن له بداية أم لا؟
وهي أسئلة أقدم من القرن التاسع عشر بكثير، فقد خاض فيها الفلاسفة قبل العلماء فيها خوضًا كبيرًا، وفي هذا الفصل يحاول هوكينج الإجابة عن تلك الأسئلة.
وبعد جذع الشجرة يأتي للفروع، فيتحدث عن الكون، ونظرية الانفجار الكبير، وكيف توصل العلماء لتوسع الكون مع مساهمات العالم الأمريكي “إدوين هابل” Edwin Hubble، والذي كان له قصة مع أينشتين، حينما لم يقتنع أينشتين بتوسع الكون فأضاف الثابت الكوني لمعادلاته ليعادل توسع الكون ويحفظ ثبات الكون في معادلاته، وبعد ذلك قال أنّه الخطأ الأكبر في حياته.
ويطرح في الفصل الرابع سؤالًا مهمًّا: هل يمكن التنبؤ بالمستقبل؟ ويقصد هنا التنبؤ بأحداث المستقبل الفيزيائية اعتمادًا على المعطيات الحالية، وهي الفكرة التي لاقت بين العلماء رواجًا كبيرًا بعد نجاح قوانين نيوتن في التنبؤ بالأحداث الفيزيائية المستقبلية، وهي الفكرة المسمّاه “الحتمية العلمية”، والتي عبر عنها العالم “لابلاس” عندما قال إننا لو عرفنا موقع وسرعة كل جسيم في الكون في اللحظة الراهنة ينبغي أن تتيح لنا قوانين الفيزياء التنبؤ بما ستكون عليه حالة الكون في المستقبل، ولكن هذه النظرة ربما تزعزعت نوعًا ما بعد نظرية الفوضى، وكذلك مبدأ عدم اليقين لهايزنبرج، والذي يقول باستحالة معرفة مكان وسرعة جسيم معين في نفس الوقت.
بعد ذلك يتناول أكثر موضوعات الفيزياء الحديثة إثارة وهو موضوع السفر عبر الزمن عبر الثقوب الدودية، وإمكانية تحققه فعلًا، والمفارقات الغريبة التي ستنتج عن التفكير في حدوثه فعلًا.
ويتوغّل في نهاية الكتاب في عدد من الموضوعات المستقبلية المثيرة جدًا، عن التقدم العلمي والتكنولوجي المنتظر، والهندسة الوراثية وعمل تعديلات على الحمض النووي للبشر لإنتاج بشر ذوو صفات محسّنة، وموضوعات الأبعاد الكونية الإضافية التي يطرح بعض العلماء وجودها فعلا.
الكتاب جيد جدًا، وأسلوب هوكنج بوجه عام أسلوب سهل، ما عدا في بعض الأجزاء التي كانت تحتاج لتركيز كبير لاستيعابها، والترجمة كانت مريحة وجيدة إلى حد كبير أيضًا.
الكتاب من سلسلة عالم المعرفة، التي يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، في الكويت، وهو العدد رقم 291 من السلسلة، نوفمبر 2003.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق