وافق الأمس، العشرون من نوفمبر، ذكرى ولادة إدوين هابل، العالم الذي أوجد من خلال رصده للمجرات البعيدة أرقامًا غيرت تفكيرَنا حول حركة الكون، وهي أن المجرات جميعها تتحركُ مبتعدةً عن بعضها البعض، وأن المعدل بين سرعة ابتعادها وبين المسافة فيما بينها يمثلُ رقمًا ثابتًا، مهما اختلف حجمُ المجرة.
كيف من شأن ذلك أن يعيد تشكيل فكرتنا حول حركة الكون من جديد؟
حسنًا، لنتذكّر أولًا أننا هنا لكي نتحدث عن الكون على أوسع نُطُقه، أي خارج الأرض أو المجموعة الشمسية أو درب التبانة أو الحشد المجريّ الضخم الذي يحتوي على درب التبانة، إننا هنا نسافرُ بمخيّلتنا ومعرفتنا العلمية نحو ما نظنُّ أنه قد يكونُ حدود الكون.
نحو مكانٍ اختلفت فيه القوانينُ وتناقضت في شرحه النظريات:
فكّر الإنسانُ منذ الأزل حول ماهية الكون الذي يعيشٌ فيه، وطرح أسئلةً لا يمكن حصرُها، من بينها: هل الكونُ له بدايةٌ ونهاية، أم العكس؟ أم أنه ببدايةٍ وبلا نهايةٍ، أم العكس؟
لم تمنع الإمكانيّاتُ البدائيةُ عقلَ الإنسان من طرح أصعب الأسئلة وأكثرها شمولية، لكن الرد على سؤالٍ كذاك بعيدًا عن الفرضيات كان أمرًا مستحيلًا، فالعينُ المجردةُ التي كانت الوسيلة الوحيدة للرصد، لا يمكنها أن ترى خارج درب التبانة، فكيف لها أن تعيننا على وصف الكون؟
توصّل نيوتن إلى أن الكون، إذا كان ذا حدود، فإن قوة الجذب بين جميع الأجسام عليها أن تؤدي إلى انهيار الكون على نفسه، لكن من الواضح أن ذلك لم يحدث، الأمرُ الذي زاد من حالة الحيرة التي عاشها العلماءُ بسبب التناقض بين ما أثبتوه عن الجاذبية وبين ما يجب على الجاذبية أن تفعله بشأن الكون، ولم تفعله!
في مطلع القرن التاسع عشر، اقترح الفلكيُّ الألمانيُّ هاينريش أولبرز أن الكون لا بدّ وأن يكون محدودًا، فكونه بلا حدودٍ يفرضُ وجود نجومٍ مضيئةٍ في كل نقطةٍ في السماء، ومهما سبّب بُعدُ النجوم تناقصًا في شدة ضوئها الظاهريِّ إلا أن السماءَ ستبدو كلُّها مضيئةً كسطح النجم، ولكننا نرى مساحاتٍ سوداء في سمائنا، والتي ظنّ أولبرز بأنها تشيرُ إلى حدود الكون.
لم يستطع اينشتاين حلَّ المشكلة التي واجهت نيوتن مع الجاذبية حتى بعد أن طوّرها إلى النسبية العامة، فحلولُ معادلاته توصلُ جميعُها إلى أن على الكون أن يتمدّد أو أن ينهار على نفسه، من أجل ذلك افترض أن كثافة طاقة الفراغ تمثّلُ قيمةً ثابتةً سمّاها الثابت الكوني(1) Cosmological Constant، تُبقي الكونَ في حالة ثباتٍ دون تمدّدٍ أو تقلّص.
كما قام الفيزيائيُّ والرياضيُّ الروسي ألكساندر فريدمان بالعمل على حلِّ معادلات النسبية العامّة، وتوصل منها إلى أن الكون يجب أن يكون في حالة تمدّدٍ وتبنّى هذا الافتراض، لكنه توفّي في عام 1925 قبل أن يرى التغييرَ العظيمَ الذي صنعه افتراضُه حينما تمّ إثباتُه.
بعد وفاته بعامين، قام الفلكيُّ البلجيكيُّ جورج لوماتر بتقديم صياغةٍ أفضل لاقتراح فريدمان، حيث قال أن الكون كان عبارةً عن نقطةٍ كبيرة الكتلة وعالية الكثافة، انفجرت ليتمدّد ما خرج منها مشكّلًا كوننا الحالي عبر مليارات السنين - وقد سمّى الفلكيُّ البريطانيُّ فريد هويل هذا الاقتراحَ بنظرية الانفجار العظيم The Big Bang سنة 1949 -. ورأى لوماتر أن الكون ربما قد يستمرُّ في تمدّده إلى الأبد.
رسم توضيحي يُظهر الثانية الأولى بعد بداية الكون
حقوق الصورة: NASA, WMAP
حسنًا، إنها نظريةٌ ملائمةٌ لدى الحديث عن بداية الكون - وهي النظرية الأكثر قبولًا حتى اليوم بهذا الشأن -، لكن ماذا عن استمرار التمدّد؟
يعتبرُ قانونُ الجاذبية عامودًا من أعمدة الفيزياء التي استطعنا من خلالها تحقيق فهمٍ أفضل وأوسع وأشمل حول الكون على عدة نطاقات، بدءً من وقوف الإنسان على الأرض، مرورًا بدوران الشمس حول مركز درب التبانة، وصولًا إلى حركة المجرّات المتناغمة داخل الحشود المجرية، يا له من قانونٍ عظيمٍ أليس كذلك! لكنه يقود إلى أن حركة الأجرام والمجرّات منظمةٌ بفعل قوة الجذب فيما بينها، في حين أن تمدّد الكون يعني تولّد قوة تنافرٍ بين المجرات. للوهلة الأولى يبدو التناقضُ واضحًا بين قانون الجاذبية ونظرية الانفجار العظيم التي تفرضُ عملية التمدد، لكنهما في الواقع متوافقين:
طاقةٌ هائلةٌ تولّدت سبّبت انفجار النقطة التي تحدّث عنها لوماتر، طاقةٌ كافيةٌ لمقاومة الجاذبية الهائلة بين كلِّ شيءٍ وُجد بعد الانفجار العظيم، الأمرُ الذي سبّب تمدّد الكون وتوسّعه ليصل إلى حجمٍ هائل، وعند لحظةٍ معينة، وبالتحديد لدى زيادة كثافة الكون عن قيمةٍ تُعرف بالكثافةِ الحرِجة Critical Density، بدأت الجاذبيةُ القيام بدورها والعمل على تقليصِ حجم الكون وإيقاف تمدّده. ظنّ العلماءُ أن الكون قد توقف عن التمدد منذ مليارات السنين، ولم تستطع أيُّ بياناتٍ مرصودةٍ أن تدعم فكرة استمرار التمدد.
انطلاقًا من هذا الفهم، تمّ طرحُ نظرية السحق العظيم The Big Crunch، والتي تقترحُ سيناريو لنهاية الكون من خلال استمرار تأثير الجاذبية بعد تعدّي كثافة الكون الكثافة الحرِجة، هكذا إلى أن يرجع الكونُ نقطةً مثلما بدأ.
وفي سنة 1929، قدّم هابل النتائج المُبهرة للرصد الذي قام به في باسادينا في ولاية كاليفورنيا الأمريكية:
استهدف عددًا من المجرّات البعيدة، وحسب بُعدها باستخدام قيم الضوء الظاهري للنجوم التي تنتمي لصفّ سيفييد Cepheid Class في كلّ مجرة، وهي نجومٌ مثاليةٌ في مثل هذه الحسابات بسبب العلاقة الواضحة التي تتميزُ بها بين زمن الحركة وشدة الإضاءة.
كما قام بقياس تأثير دوبلر (الانزياح نحو الأحمر أو الأزرق) على الأشعة الكهرومغناطيسية المنبعثة من المجرات، وتعني هذه الظاهرةُ أن الطول الموجي للشعاع يتناقصُ مع اقتراب مصدره منا ليميل لونُ الأشعة إلى الأزرق، في حين يزدادُ هذا الطول مع ابتعاد المصدر عنا ليميل اللونُ إلى الأحمر.
ما توصّلت إليه قياساتُ هابل هو أن انزياح الأشعة المُنبعثة من المجرات البعيدة يكون نحو الأحمر، كما أن قيمته تزداد كلما زاد بعدُ المجرة، والتفسيرُ الوحيدُ لذلك: أن الكون يتمدّد.
كما وجد أن النسبة بين سرعة ابتعاد المجرّة وبين بُعدها تمثّل قيمةً ثابتةً لا تختلف باختلاف حجم المجرّة، وقد سُمّيت بثابت هابل Hubble Constant، وقام بحسابه ليجد أنه 500 كيلومتر لكلّ ثانية لكل مليون فرسخٍ فلكيّ - الفرسخ الفلكيّ Parsec يعادلُ 3.26 سنة ضوئية -، لكنه كان مخطئًا للغاية في حساباته، واستمرّ التعديلُ على هذا الرقم عبر العقود الماضية، والرقمُ الأقربُ للصحّة اليوم والذي توصّل إليه تلسكوب هابل في منتصف عام 2016، هو 73 كيلومتر لكل ثانية لكل مليون فرسخٍ فلكي، و146 كيلومتر لكل ثانية لكل مليوني فرسخ فلكيّ، و292 كيلومتر لكل ثانية لكل 3 مليون فرسخ فلكيّ، و584 لكل ثانية لكل 4 مليون فرسخ فلكيّ، وهكذا (أي أن حركة الكون أسرعُ من حركة الضوء!).


111111111
ردحذف